
إن كلمة سرطان في مجتمعاتنا العربية تخلق حالة من الذعر تحيطها كومة من الجهالة، لم يكن أحمد على درجة علم كافية عن المرض حيث تم اكتشاف المرض في مرحلة متأخرة جدا في زوجته الراحلة، دلال المتوفاة لم تكن الوحيدة فالوعي الصحي في معظم الأسر في المجتمعات العربية يصنع نوعا من التكتم فما بالكم بسرطان الرحم، إن كلمة كالرحم تربط دائما بمواضيع التكاثر و مواضيع كهذه في مجتمعاتنا تجهضها مسامعنا و توأد الألسنة الناطقة بها مالم تكن مرتبطة برباط الزواج المقدس. لذا كانت آخر القرارات التي يفكر أحمد بالحديث عنها خصوصا مع ابنته، كان كنقاش دار بينه و بين نفسه انتهى بقرار لم يفكر في تبعاته.
تحمل أحمد تربية دلال حتى بلغت سن الخمسة عشر عاما و طوال هذه السنين حاول جاهدا إبعادها عن كل ما يضر بسمعتها أو بالأحرى شرفها، فهي يتيمة سريعة التأثر بما يدور حولها، في ذلك الوقت بدا قرار تركها لدراستها قرارا صائبا خصوصا و أنه لن يضطر للتكلم عن مرحله بلوغها و تحولها إلى امرأة فلقد تكفلت المدرسة مشكورة بتعليمها بتحفظ من خلال المنهاج الدراسي. بالنسبة له كان دور المدرسة قد انتهى آنذاك، أصلا نظرا للبيئة التي نشأ فيها هو يؤمن أن المرأة خلقت لتتزوج و تنجب و تفني حياتها في طاعة وخدمة زوجها و بيتها مالم يعترض حياتها عارض .. كالوفاة مثلا.
فكر طويلا عن كيفية إخبارها بقراره قال في نفسه " الأجدر بي أن انتظر إلى نهاية الأسبوع .. يوم الأربعاء .. فهي عادة ما تودع صديقاتها متمنية لهم عطلة أسبوعية ممتعة حتى تلتقي بهم يوم السبت الذي يليه".
لم يشأ أن يكسر بخاطرها فقد كان يدللها مع قليل من الصرامة، لن نسميه ظلما لكنه نوع من الخوف، لن يتخيل أعباء تربية طفل دون الطرف الآخر إلا من جرب ذلك.
و جاء يوم الأربعاء المنتظر، كان الأب قد أكمل إجراءات خروجها من المدرسة دون أي علم مسبق منها و لم ينس التأكيد على إدارة المدرسة ألا تذكر أي شيء عن الموضوع أمام دلال خشية خسارتها خصوصا و أنها تدرس مع من يماثلنها في العمر تقريبا ، و إن التأثير الأكبر و الأسرع يكون من الفئة العمرية المتقاربة.
انتظرها كعادته أمام بوابة المدرسة قبل نصف ساعة من إطلاق جرس المغادرة، و كما توقع تماما ودعت زميلات الدراسة، ثم توجهت مسرعة لتقبيل جبين أبيها و ركبت السيارة بجانبه، كان لهذه القبلة تأثير شك الدبوس، لا كان إحساسا أقوى من طعنة خنجر جديد على قلب مفرغ من العاطفة.
لم يتكلم الأب طوال الطريق، دلال و أحمد و الصمت ثالثهما يستمع إلى تنهداتهما، تساءلت دلال مستغربة عن حاله " هل أنت غاضب مني؟ ما سر سكوتك الغريب .. ليس كعادتك" .
في هذه الأثناء تكلم فكره " آه لو تعلمين.. لكنه لمصلحتك، ستقدرين ما فعلته حين ترزقين ببنات".
حينها كانوا قد وصلوا أمام باب منزلهم مشقق الجدران، لم تكن جدران منزلهم غريبة عن بقية الجدران في الحارة فمعظم الجيران كانوا تقريبا من نفس درجة التواضع، حالة من التناقض يعيشها هذا الحي المبهور بعقيدة تسمى عادات و تقاليد.
قال أحمد " وصلنا .. " ترجل أحمد من السيارة و تبعته دلال و قبل أن تتخطى قدماها عتبة منزل والدها ابتسمت و استنشقت ما باستطاعتها من هواء الشارع، كان طقسا أسبوعيا تعبيرا عن سعادتها بعطلة الأسبوع، المسكينة لم تعلم أن هذه آخر مرة تشتم فيها رائحة الحي.
دخلا المنزل المبهر من الداخل ليتجه كل منهما إلى غرفته، مربيتها شرعت في تحضير المائدة، لابد أنهما جائعين، لم يستغرق الأمر سوى عشرة دقائق حتى انتهت المربية من تحضير المائدة و جلس حواليها أحمد و دلال.
بدأ أحمد بالحديث عما يجول في خاطره، كان موقفا صعبا أن يبتدأ الحديث عن الموضوع مازال حتى تلك الثانية يتردد خوفا من ظلم صغيرته.
أحمد: دلال ..
دلال تنظر إليه بعينيها البراقتين كعيني والدتها: نعم أبي
أحمد: تعلمين أن والدتك لم تكمل تعليمها المتوسط و أنها تزوجت في سن مبكرة جدا ..
ازداد بريق عيني دلال حينها قالت في نفسها: أخيرا سيتحدث لي أبي عن ملاكي
أحمد: إنها عاداتنا و تقاليدنا أن يكون بيت المرأة مقر عملها، فالتربية لا تحتاج إلى تعليم لذا قد قررت أن تتركي المدرسة، لقد اتخذت كافة الإجراءات اللازمة لذلك لا تقلقي من تلك الناحية.
دلال: أبي ....
أحمد: أنتي تعلمين حبي لك و تعلمين أيضا مقدار خوفي عليك، أنا أدرى بمصلحتك.
صاعقة أتت في غير أوانها على دلال، سكتت. هي لم تتعلم إلا الطاعة و الصمت حتى لو عارضت قرارة نفسها و اتخذت موقفا غير الرضا، ابتسمت و ازداد بريق عينيها أكثر، هذه المرة كان بريقا مبللا بخيبة الأمل.
أكمل الجميع الأكل بصمت، مرت سنتان و العلاقة بين دلال و أحمد متوترة أغلبها لحظات هادئة، خلال هذه السنتين كان شيئا ما غريبا يحدث اعتقدت دلال أنه طبيعي، كان رحمها يزداد انتفاخا، لم تعلم أبدا أنه رحمها، باعتقادها أن الانتفاخ لم يكن إلا بسبب اكتسابها بعضا من الوزن.
مضت أربع سنوات حتى الآن و منطقة البطن تزداد بالحجم ازديادا ملحوظا، على العكس تماما كان الجسم قد فقد مقدارا ملحوظا من الوزن، امرأ لم يستطع ألا يلاحظه أحمد و بالتأكيد لم تستطع المربية إنكاره، بل و ساعدت حتى في تفشيه في الحي حتى صارت دلال موضع حديث الكثيرات، يعلم الجميع بالشكوك المحاطة بها سواها!
إن الأيام تمر و الحديث يكثر، لم يتهاون الرجال عن الحديث حتى أمام أحمد في الدواوين و المساجد، شعر أحمد بالخذلان و الهزيمة، إن صرح شرفه الذي بناه طوال الإحدى و عشرين عاما يتداعى على مسمع و مرأى منه، شعور بالخيانة يزداد كل دقيقة، حمم بركانية أصر على إخمادها إلى أن يقرر هو متى يتفجر هذا البركان الخامد في داخله.
أحمد كما تعود دائما يستعد لصلاة فجر الجمعة في المسجد، فتح صنبور المياه ليتوضأ .. مد يده لكنه سرعان ما سكب القطرات المتجمعة في يديه ليغلق الصنبور، تذكر أنه نسي أن يوقظ دلال لصلاة الفجر فقد كانت تلومه كثيرا إن تأخر أو نسي إيقاظها.
توجه إلى غرفتها المجاورة لغرفته بخطوات مرتجفة، فتح باب غرفتها البيضاء بلون الطهارة متأملا أميرته النائمة حتى وقعت عيناه على انتفاخ بطنها، تشنجت أفكاره، صوت بداخله يحثه على إطفاء العار المتأجج حول شرفه، تعوذ من الشيطان.
أحمد: لا .. لا أستطيع . ابنتي لم تخرج أبدا من المنزل. دلال ربيتها بنفسي لن تخون أخلاقها أبدا أو تدنس شرفي.
همس باسمها "دلال" هز أكتافها برقة "هيا قومي لصلاة الفجر" نظرت مباشرة إلى عينيه لتقبله ما بين عينيه مبتسمة، أحس بالخديعة. دفعها بعيدا عنه لتصطدم بحافة السرير و تقع أرضا.
دلال تصرخ و تبكي مصدومة، لم يهتم بصرخاتها بل غادر ليعود بعد ثوان ممسكا ببندقية القنص، قرر اقتناص حمامته البيضاء. كان هذا آخر قرارا جائرا يتخذه.
بلحظة واحدة .. حدث كل شيء، ضغط أحمد على الزناد لتصيح البندقية .. صيحة أخرست صياح الديك، انطلقت طلقة أردتها قتيلة بالحال تسبح في دماء طاهرة أضافت لمسة حمراء لتلك الغرفة العذراء.
توضأ الأب بدم ابنته، ببرود أعصاب لم يأبه بمنظر دلال الغارقة بدمائها متناسيا أن عصفورته التي لا تقو على السباحة لم يعد بمقدروها الطيران.
ما هي لحظات حتى ذهب ليصلي الفجر و يعلن أمام الملأ غسله لعاره و قتله للجنين مجهول الهوية في رحم دلال، هنأه الجميع حتى إمام المسجد فالزانية في شرعنا أشركت بشريعة الله، و وسط تلك التكبيرات اقتادهم بصحبة الشرطة و المسعفين لأخذ جثة القتيلة و على شفتيه انحناءة انتصار تتحدى تلك المنكسرة في قلبه.
شرح الأطباء الجثة ليجدوا الجنين، وجدوا مجموعة خلايا من جسدها يبدو أنها حذت حذو خلايا والدتها المتوفاة، لقد وجد الأطباء جنينا سرطانيا، دلال سليمة العذرية، شلت هذه الحقيقة ألسنة الكثيرين أولها لسان أحمد الذي ظل يصارع شبح مرض السرطان بعد أن حصد روحي أعز اثنتين على قلبه .. دلال.
المسئول هنا ليس والد دلال، و ليس المربية ، لا تقع المسؤولية وحدها على الجيران و لن ألوم عقيدتنا الدينية لأنها من أروع العقائد..
مجتمعاتنا العربية تنفر من الوعي بل لا تجد الوقت الكافي لاستثماره في عقولنا و لكنها بالمقابل تقدس الموت كحقيقة ثابتة و الطريق المختصر لحصد أرواح الإنسانية دون إجهاد عقولنا.
مئات من العذراوات حملن سفاحا من السرطان و كانوا ضحايا لتخلف المجتمع .. يبقى حدثا من أحداث هذه القصة معلقا "من يأخذ بثأر دلال و مثيلاتها؟" .



