
قلوب ليست معاقة
مروة البحراني
هما معاقان .. رغم أني لا أحبذ استخدام كلمة الإعاقة، قرر القدر أن يجمعهما رغم بعد المسافات و اختلاف نوع الإعاقة.
هي فتاة ريفية كانت في السابق ذات جمال مقبول، كان هذا قبل أن تطبع بصمات الزمن آثاره على جلدتها المترهلة، لم تكن قد بلغت الثامنة و الثلاثين بعد أي أنها بحسب تصنيفاتنا الاجتماعية على بعد سنتين أرضيتين من محطة العنوسة.
لعلكم تتساءلون عن سر عنوسة هذه الريفية الحسناء، للأسف جمالها لم يشفع عن حقيقة كونها صماء و بكماء منذ الولادة، طوال حياتها لم تتمكن أذناها من التقاط موجات الأصوات و عجز لسانها عن إصدار ما يجوز تسميته بكلمات.. ما كانت تصدره هو صوت الهمزة فقط.
نسيت أن أذكر لكم اسمها.. سعاد.. نعم كان اسمها نابع من سعادة تمناها لها والدها قبل أن ينتقل للعيش بين يدي الرحمن. سعاد تعيش الآن مع والدتها و أختها "ود". ود متزوجة منذ ثمان سنوات، رزقت من الأبناء اثنتين واحدة بعمر السابعة و الأخرى لم تتعد السنة و النصف آنذاك.
على صعيد المدينة كان يعيش هو، شاب مدني في مقتبل العمر اسمه سعد، كان قد أتم توا الرابعة و العشرين من عمره، يعيش بين أم و أب و لديه أخت متزوجة لديها عدد لا بأس به من الأبناء.
اسمع تفكير عقولكم عن العلة في سعد، سعد كان متخلفا عقليا، شديد العصبية لا يقو على فعل أبسط الأمور لوحده، أمه كانت ملاكه الحارس، ترافقه أينما ذهب حتى شعرت أن حياتها معلقة به، يبدو أنها استشعرت تقدم العمر بها و أنها أرادت التحرر من جدار هذا التخلف الذهني، كان عصبيا .. كان مزاجيا كثير الصراخ .. هو ليس في موضع لوم هنا فالقلم قد رفعه الله عنه.
تحدثت والدته مع والده بشأن زواجه، فكرا طويلا بمن سيرضى بمعاق الذهن، حتى استنتجوا أنها لن ترض به سوى من كانت على شاكلته، بمفهوم أبسط أرادا له من تخدمه فلقد أثقل حمله كاهلهما، و حان الوقت .. نعم حان الوقت للراحة.
استشارا ابنتهما "روضة" التي رحبت بالفكرة و عرضتها على والدة زوجها الريفية سابقا، التي تزوجت منذ فترة تقارب الخمسة و أربعون عاما من مدني حيث استقرت هناك، كانت تزور أهلها أوقات الصيف.
والدة زوج روضة " أم سالم " أخبرتها عن ابنة أخت لها تدعى سعاد، أخبرتها عن إعاقتها و عمرها و أدق تفاصيلها الصغيرة، غريب أنها كانت تتفنن في الطبخ و التنظيف رغم إعاقتها.
استشارت روضة والدتها التي رحبت بالفكرة ترحيبا شديدا، لم يكن فقر سعاد عائقا، بالعكس ساعدهم هذا كثيرا على تحقيق هذه الزيجة المشؤومة.
سافر والد سعد مصاحبا له إلى المناطق الريفية و تحديدا مكان سكن سعاد، ليقدموا على أول خطوة بمشروع الزواج.
سعاد الحالمة فرحت كثيرا بقدوم قطارها المنتظر، سعادة لا توصفها قطرات حبر على ورق، و الدليل أنها لم تكترث بإعاقته فهي كانت معاقة.
إنه يوم الخميس، كانت العائلتان قد اتفقتا على أن يلتقيا مساء، سعاد لم تنم تلك الليلة تفكر و تجهز تارة .. ثم تارة أخرى تسبح في خيالات أحلامها، حتى أنها فكرت في أبنائها المستقبليين مسرورة. كانت الدقائق ذلك اليوم تمر كمشية الحلزون ببطء شديد، أو يخال لنا ذلك فالصبر مؤلم في لحظات كهذه.
و أخيرا .. إنها الساعة السابعة، عريس المستقبل ينتظر في مجلس بيت سعاد المتواضع مع والده ، والدة سعاد اتشحت بالأسود لا إعلانا للحداد و حزنها بل كانت هي عاداتهم كنوع من الاحتشام و الستر. تكلموا كثيرا لم يخرج موضوع حديثهما عن ترتيبات الزواج، لم تشترط سعاد و لا أهلها أي شروط أو حتى تضع عراقيل أمام هذا الزواج المبارك، لقد رحبوا ببساطة بأي مهر باعتباره ركنا لا يتم دونه الزواج، بعد ساعتين من الحديث و النقاش اتفقوا على أنه حان الوقت ليري سعد و سعاد بعضهما رؤية شرعية بحضور الوالدين ، لقد راق كلاهما الآخر ففكر والد سعد" لم التأجيل إذا .. على بركة الله".
عقدت سعاد و سعد قرانهما في تلك الليلة و الخجل يزين أرجاء السماء، من قال أن الإعاقة ندا للسعادة لينظر في نور الوجهين اليوم، كان عقدا فقط لأن أهل سعد أرادوا إقامة حفل الزفاف في المدينة، لم تعترض سعاد على ذلك و لم تعترض والدتها و لا أختها، كان أمرا عاديا جدا فهم مرحب بهم دائما أن يروها متى أرادوا ذلك.
في اليوم التالي صباحا غادر سعد و والده إلى المدينة منتظرين أهل سعاد ليلحقوا بهم أملا في إتمام مراسم الزفاف هناك.. لم تمض إلا ليلتان حلت فيها عائلة سعاد ضيفة على عائلة أختها أم سالم، رحبوا بهم أشد ترحيب، سعاد تذكرهم جميعا حتى أنها قد وضعت لكل منهم رمزا يدل على صاحبه ، لم تعقها الإعاقة عن التفكير بذكاء و التأقلم مع ظروفها راضية بقسمة الله في عباده.
أم سعد التي كانت قد وجدت ضالتها في سعاد كخادمة أضاعت ضالتها عندما رأتها، ثم عادت لتنكر معرفتها بعمر سعاد الحقيقي و أنها لم تكن على علم بأن سعاد تكبر سعد بما يزيد عن العشرة أعوام، حتى ظلت المسألة عالقة ما ينقص عن الأسبوع بيوم تفكر أم سعد و روضة عن كيفية الخروج من هذه المأزق، لم تتوان أنفسهم عن إطلاق الإشاعات و الافتراء على أم سالم بالكذب دعما لقضيتهم المفتعلة التي إلى يومنا هذا لم تكتشف نقطة انطلاقها، أهو الجمال البالي ؟ أم الفقر البشع ؟ أم أن أم سعد وجدت ضالتها في فتاة أخرى تناسبهم اجتماعيا. لقد سيطر الغرور في تلك اللحظة بخليط من الكبرياء على عقل أم سعد، فالفتاة الريفية رثة الثياب لا تتناسب و الشاب المدني، تناست أم سعد أن ابنها لم يكن كاملا أيضا، و أن إعاقة الذهن اشد من أي إعاقة أخرى، أنا هنا لست في وضع يخولني للمقارنة بين الإعاقتين لكني أعلم علما يقينا أن أعاقة الأخلاق أشد هذه الإعاقات لأنها إعاقة نحن نتدخل في مسارها على عكس ابتلاء الخالق.
توصلت أم سعد لقرار شارك فيه أبا سعد و روضة .. أن يتهموا أهل سعاد بالغش و الخداع. أنكروا معرفتهم بعمرها الحقيقي ، أنكروا رؤيتها، كانت حيلة للتحايل على القاضي لينالا الانفصال بعيدا عن الطلاق، حيلة لنيل كامل المهر المدفوع و ليس نصفه. جشع و طمع على حساب مشاعر سعاد التي لم تدر ما كان يدور حولها، لم تعلم أي شيء سوى أنها جاءت لتتزوج من رأته في مجلسهم الريفي.
مضت تسعة أيام على مجيء سعاد للمدينة لم يحدث شيء حتى الآن، سعاد تسأل الجميع، تحاكيهم بإشارات " أين" ثم تشير على أصبعها الخنصر دلالة على زوجها، كأنها كانت تقول أين زوجي؟ كانت في كل مرة تسأل هذا السؤال تجاب بجملة خالية من الكلمات. خوفا من عواقب إخبارها بطلاقها من سعد، سعد الذي لم تره إلا مرة واحدة و تعلقت آمالها به.
إلى متى كتمان الموضوع عن صاحبة الشأن، أخبرتها ود بحقيقة طلاقها بعد الحاح منها، لم تكن تلك أول صدمة في تاريخ حياة سعاد و لم يبد على شفتيها أي نوع من الاكتراث، أنا واثقة أنها كانت آخر صدمة في حياتها الصامتة فالموت كان أسرع من أي صدمة في الطريق.
خرجت سعاد من الريف آملة بمراسم زفاف، عادت متأبطة ذراع تابوتها الخشبي يزفونها إلى قبرها بمراسم الدفن مكفنة بثوب زفافها القطني.
سعد مازال عالقا حتى يومنا هذا في أحضان والدته لم يعرف مصيره ، لا ندرى حتى إن كان يتذكر سعاد أو أنه يعلم بممات تلك المسكينة، ترى هل أحبها حقا حين أعلن قبوله الزواج منها؟
و الأهم أن الصدع مازال قائما حتى لحظة كتابة القصة بين العائلتين و الجميع يجزم بصحة موقفه كبرياء غرورا .. ظلما و انكسارا لا يهم فالناس تتناقل نسختين مختلفتين عن القصة اتفقوا على أن بطلاها سعد و سعاد.
